تاريخ القطيف والحركة الوطنية السعودية

شهدت القطيف خلال عامي ٢٠١١- ٢٠١٢ الكثير من الأحداث والمظاهرات وسقط خلالها عدد من الشهداء. استخدمت الحكومة السعودية سلاح “فرّق تسد” بذكاء وفاعلية. وخوّن من خرج من أهل القطيف واتهموا بالعمالة لإيران وأسيء إليهم.
والحقيقة أن أهل القطيف لهم باع طويل في النضال ضد الاستبداد والقمع. وهذه المقالة توضح جانب من تاريخهم النضالي أولاً ومن التاريخ النضالي في السعودية بشكل عام ثانياً.

في عام ١٩٥٣، عام الإضراب الكبير، كانت الحسينيات في القطيف وحسينية آل العوامي بالأخصّ مركزاً لتجمع العمّال وتشجيعهم لبعضهم لمواصلة الإضراب. وكان العمال في مدن وقرى القطيف يستضيفون زملائهم من المناطق البعيدة لكي لا يظلّوا في سكن أرامكو ويتعرضون للاعتقال أو غير ذلك من العقوبات، وعندما امتدّ الإضراب لأسابيع باع البعض ذهب نساءهم ليستطيعوا أن يقوموا بواجب الضيافة.

بعد وفاة الملك عبدالعزيز، ذهب وفد لتهنئة الملك سعود بالحكم فقرر أهل القطيف أن يرسلوا مع الوفد عرائض من كل مدن وقرى القطيف بمطلب واحد: تمثيل أهل القطيف في مجلس الشورى. تفاجأ المسؤولون. وبعد يومين، جاء رئيس الديوان الملكي ليخبرهم أن طلبهم هذا لم يطلبه أحد من قبل وهو ينمّ عن عدم ثقة بالحكومة، ثم أرفق كلامه بتهديدات مبطنة وخرج.
وعند عودتهم إلى الشرقية ذهبوا إلى أمير الشرقية سعود بن جلوي بالدمام والذي أعاد عليهم نفس الكلام.

في ١٩٥٤، اجتمع عبدالعزيز بن معمر وإسحاق الشيخ يعقوب ومحمد الهوشان في فندق مطار الظهران وخرجوا بتنظيم “جبهة الإصلاح الوطني” الذي يهدف إلى إصلاح الحكم الفردي وإشراك الشعب وتكوين مؤسسات وأحزاب مدنية.

وفي ١٩٥٤ أيضاً، حصل أحمد الشيخ يعقوب ويوسف الشيخ يعقوب على ترخيص لإصدار جريدة “الفجر الجديد” والتي كان وراءها مجموعة من الشباب الوطني منهم عبدالعزيز السنيد أو عبدالعزيز ابو اسنيد كما كانوا يسمونه. وبعد ثلاثة أعداد صدر أمر ملكي بإيقافها نهائياً، “فاجتمع عدد من شباب القطيف وأرسلوا برقية للملك سعود للسماح لها بمعاودة الصدور فاستدعي جميع الموقعين إلى مكتب إمارة المنطقة الشرقية بالدمام وتلي عليهم بيان فيما معناه (اتركوا السياسة لأهل السياسة واهتموا بأعمالكم)”.

١٩٥٨، التقى سيد علي العوامي بعبدالعزيز أبو اسنيد بالصدفة، فدعاه الأخير إلى الانضمام ووافق العوامي وصارا يلتقيان دورياً ومعهما يوسف الشيخ يعقوب.
وفي ١٧ أكتوبر من نفس العام، عقد اجتماع تغير فيه اسم الجبهة إلى جبهة التحرر الوطني.

في ١٩٥٩، بعد أشهر من قيام ثورة العراق، قرر أبو اسنيد اتخاذ الخطوة التي كانت تغريه لفترة وهي العودة إلى العراق (كانت أمه عراقية وقد عاش ودرس في العراق) بحثاً عن مجال أوسع للتحرك وربما بعض الدعم من الحزب الشيوعي هناك. لكنه غادر إلى بيروت بعد توتر الأمور وأصبح مسؤول التنظيم في الخارج، وأصبح علي الدميني ويوسف الشيخ يعقوب وعبدالله الحقيل المسؤولين في الشرقية.

ثم جاءت وزارة الشباب في ١٩٦٠، وانتشرت أخبار عن قرب التحول تدريجياً إلى حكم دستوري ديمقراطي وبدأ الشباب الوطني يكتب فرحاً وأبو اسنيد في الخارج ينشر. لكن المشاكل بدأت تظهر في الوزارة، ومنها ما وصل إلى سمع الملك سعود عن كون ابن معمر شيوعي، فتقرر إرساله سفيراً إلى سويسرا، مما أدى إلى استقالة عدة وزراء. وكان مصطفى وهبة وكيل وزارة المالية أحد هؤلاء المستقيلين، ثم انضم إلى التنظيم وأصبح مسؤول المنطقة الشرقية.

في نهاية ١٩٦١ أو بداية ١٩٦٢، بعد عودة الملك سعود من رحلة علاج في فلوريدا، أصدر تصريحاً بأنه سيطور مجلس الشورى. وبعد انعقاد أول جلسة لمجلس الوزراء بعد عودته، تلقى خمسة من الوزراء تهديدات موقعة من ٢٨ أمير تطالبهم بالاستقالة فوراً وإلا فإن حيواتهم ستكون في خطر. تحدث الوزراء مع الملك بخصوصها فلم يبدُ حاسماً في قرار حمايتهم فقدموا استقالاتهم له وقبلها ثم شكل وزارة جديدة.

وخلال هذه الفترة قامت حرب اليمن وبدأ التنظيم يكتب المقالات باسمه وأسماء أعضائه ويصدر بيانات الاستنكار للتدخل السعودي في اليمن والزج بالجيش في حرب ليست حربه.
خلال هذه الحرب اليمنية/السعودية/المصرية هرب عدد من الطيارين بطياراتهم إلى القاهرة، وتلى ذلك خروج الأمراء الأحرار ولحاق بعض الوزراء السابقين وبعض الوطنيين بهم.

اتصل التنظيم بالأمراء الأحرار وعقد اتفاق تعاون ووضع نظام جديد للتنظيم الموحد “جبهة التحرر العربية” وأذيع بيان هذه الجبهة من إذاعة صوت العرب.
ثم اتصل الأمير طلال بالحكومة المصرية وجرى اتفاق بينهما على التعاون ضد الحكومة السعودية كما أعلن الأمير تخليه وأخوته عن لقب أمير وقال “نحن مواطنون عاديون”.
كل هذه الأحداث أكسبت التنظيم الكثير من الأعضاء الجدد وزاد الحراك؛ لكن هذا لم يدم طويلاً فسرعان ما انقطع التعاون بين الجبهة والحكومة المصرية من جهة، وبين الأمراء وجبهة التحرر الوطني من جهة أخرى لأسباب تعددت ولا أعلم أيها أصح وأرجح.

في ١٨ أكتوبر ١٩٦٢، صدر أمر ملكي -بعد مراسلات بين الملك سعود والرئيس كينيدي- بإسناد رئاسة الوزراء إلى الأمير فيصل وتكليفه بتشكيل وزارة جديدة. وبعد أقل من سنتين، في نوڤمبر ١٩٦٤، تربع الملك فيصل على العرش وعزل الملك سعود.

لكن قبل ذلك كانت اعتقالات ٢٦ يونيو ١٩٦٤.
اعتقل مجموعة كبيرة من الشباب الوطني بسبب عبدالحميد منصور الزاير. والقصة هي أن عبدالحميد كان قد افتتح مكتبة في القطيف واستورد كتب يسارية في معظمها وكتب دينية شيعية، ولم يكن جهاز الرقابة قد وجد بعد.
ثم أنشأت المديرية العامة للإذاعة والصحافة والنشر في آخر الخمسينات، فمنعت الكتب اليسارية والسياسية عموماً والكتب الخاصة بالطائفة الشيعية، حتى أنه حدث مرة أن صادرت مجموعة من الكتب الشعية الدينية وأرادت حرقها لكن المواطنين كتبوا خطاباً للمسؤولين يستنكرون فيه هذا المنع حيث أنها كتب شيعية لقراء شيعة.
نتيجة لتلك المضايقات انتقل الزاير إلى البحرين، وفي إحدى زياراته للقطيف فتشت مكتبته في البحرين وصودرت بعض الكتب، ثم اعتقل عند عودته وسلم إلى السلطات السعودية.
بعدها بفترة بدأت الاعتقالات واتضح لاحقاً أنها قائمة بناء على ما اشتراه كل معتقل من الزاير سابقاً!
في اليوم الثاني لاعتقالات “الشيوعيين” كان أحد الجنود يستمع إلى المذياع وكانت إذاعة الكويت تذيع بياناً لوزارة الداخلية عن القبض على خلية شيوعية جار التحقيق معهم.
بدأت التحقيقات بعد يومين واتهموا بأنهم شيوعيون ملحدون لأنهم يطالبون بدستور في بلد دستوره القرآن الكريم!

خلال التحقيق، رفض السيد علي العوامي الاعتراف بعضويته في التنظيم الشيوعي فأمر المحقق العسيري عريفاً بأخذ العوامي ووضعه في خزانة مقيد اليدين ولا يدري كم بقي حيث أنه لم يشعر إلا والعسكري يرش الماء عليه ليفيق.
اعتراف العوامي: “التنظيم ليس حزباً شيوعياً بل هو جبهة وطنية، هي جبهة التحرر الوطني، والجبهة بمفهومها العام هي تنظيم يضم أعضاء مختلفي الاتجاهات والميول السياسية والعقائدية لكنهم متفقون على برنامج الجبهة وملتزمون بالتقيد بتنفيذه وأنا شخصياً لست شيوعياً”.
وقد حاول المحقق العسيري إجراء صفقة مع العوامي فقال له “تخرج وتذهب إلى بيروت لتقابل أبو اسنيد ونتبعك نحن لنقبض عليه” فرفض العوامي، ثم حاول أن يجعله يعترف على البعثيين فقال بأنه لا يعرف أي شيء عنهم.

٣ نوفمبر ١٩٦٤، أسبوع عزل الملك سعود وتعيين الملك فيصل، حضرت لجنة منتدبة من الداخلية مكلفة بإعادة التحقيق دون عنف وانتهى عملها في ١٢ ديسمبر ١٩٦٤. أنكر بعض المعتقلين كلامه السابق ولم تخرج اللجنة بنتيجة سوى طلب المعتقلين السماح بالزيارة. وقد أتيح لهم ذلك في يناير ١٩٦٥، أي بعد مضي أكثر من ٦ أشهر على الاعتقال.

يونيو ١٩٦٥، جاءت محكمة شرعية إلى الدمام برئاسة الشيخ محمد بن جبير واستدعي السجناء جميعاً في إحدى ڤلل الدمام التي اتخذتها المحكمة مقراً لها. قرأ المدعي العام الضابط عبدالحليم حمزة بياناً من وزارة الداخلية فيه ملخص للقضية (تهم للأفراد وتهم للمجموعة كلها) ثم أعيد السجناء ومنعت الزيارة مجدداً.
في اليوم التالي بدأت المحاكمة، وتحت الضغط من رفاقهم، أنكر العوامي والكثير من المعتقلين اعترافاتهم السابقة.
في هذا التحقيق وجهت للعوامي تهمة السعي إلى فصل المنطقة الشرقية وضمها إلى العراق بسبب منشورات وجدت في بيته عند اعتقاله كانت ترسلها وزارة الإعلام العراقية بعشوائية إلى القطيف منذ الثورة، لكنه أثبت أنها قد أرسلت لغيره فلم يعودوا لتلك التهمة مجدداً.
أنهت المحكمة أعمالها وعادت إلى الرياض في ٢٣ يونيو ١٩٦٥. أعيد فتح الزيارة بعد ذلك وظل السجناء شهوراً ينتظرون حكم المحكمة.

في ١٩٦٥، وزعت منشورات ضد الحكومة موقعة باسم الجبهة الديمقراطية في ثانوية البنين بالدمام فاعتقل خمسة أشخاص. اتهم اثنان بطباعتها واثنان بتوزيعها وواحد بطلب طباعتها. وقد أنكر محمد سعيد الجشي طلب طباعتها وأصر عبدالعزيز حسين على أنه فعل، وأنه (عبدالعزيز) رفض فحضر ملثمون يهددونه. وقررت الحكومة بأن عليهما الاعتراف أو البقاء في السجن، فبقيا خمس سنوات ولما لم يعترف أياً منهما بصحة كلام الآخر أطلق سراحهما مع فصلهما من عمليهما.

في ١٩٦٦/١/٢، بعد ١٩ شهراً في السجن، أذاعت الحكومة بياناً عن معتقلي الرياض (٣٤ من قوميين وناصريين) ومعتقلي الدمام (٣١ متهم بالشيوعية)، أعلنت فيه العفو عن معتقلي الرياض ماعدا واحداً رفض الإقرار بالذنب وطلب العفو، أما معتقلي الدمام فقد أكتفي بما قضاه ١٢ منهم في السجن وحكم على الباقين بمدد تراوحت بين ٣ سنوات و١٠ سنوات و١٥ سنة!

في منتصف ١٩٧٠، تزايدت أعداد المعتقلين من القطيف والذين يتم إرسالهم إلى سجن الاستخبارات في جدة. وفي ١٤ أغسطس تم استدعاء علي العوامي إلى التحقيق ليعترف على بقية رفاقه ممن لم يعتقلوا بعد، فأخبر المحققين بأنه قد ذكر أسماء الجميع فعذب خلال يومين متلاحقين. بعد أسبوع، أعيد استدعاءه ليتهم بأنه متعاون مع “جبهة ميرزا” -الجبهة الديمقراطية الشعبية- ولم يكن علي قد سمع بها من قبل فأنكر ذلك وعذب مرة أخرى. ثم استدعي باقر الشماسي وعذب إلا أنه لم يضف شيئاً على اعترافاتهم السابقة وانتهت التحقيقات لهذه المجموعة بذلك.
من المفارقات المضحكة المبكية أن عدنان العوامي ابن عم علي العوامي عذب واتهم بأنه قومي، ناصري، شيوعي، بعثي، إخوان مسلمون، منتمي لتنظيم إسلامي آخر، و منتمي للمكتبة الأهلية! وعندما احتج عدنان بتناقض التهم جاوبه المحقق بأن هذا دليل على تغير أهوائه فقط!

وفي ١٩٧٣، ذهبت عائلات المحكومين بخمسة عشر عام إلى الرياض لمقابلة الملك فيصل ليطلبوا منه إطلاق سراح معتقليهم مع المحكومين بعشرة أعوام بعد عدة أشهر فلم يجاوبهم، وفي آخر الشهر ذهبوا مرة أخرى وقابلوا الأميران نواف ونايف فوعداهم خيراً. وفي ١٢ نوفمبر أفرج عن محكومي الخمسة عشر عام وبقي معتقلي العشرة أعوام أربعة أشهر حتى انتهاء محكومياتهم، لكن عوائلهم ذهبت إلى الرياض فأفرج عنهم في ٢٢ ديسمبر

قصص بعض من ماتوا في السجون السعودية:
٢١ يونيو ١٩٧٠، اعتقال حسن صالح الجشي رئيس بلدية القطيف مع أنه كان يطالب بالإصلاحات في حدود ما تسمح به الدولة ولم يكن منتمياً لأي حزب سياسي. كما أن معظم المعتقلين كانوا من أصدقاءه بل أن عبدالرسول الجشي كان ابن عمه ومع هذا لم يزرهم مرة واحدة حرصاً على منصبه وصورته أمام الدولة، ولم يعرف حسن الجشي أي سبب لاعتقاله. وظل في السجن إلى ١٧ يناير ١٩٧٢ حيث نقل إلى غرفة العزل لكي يتم إطلاق سراحه صباح اليوم التالي ولكن أصابته نوبة قلبية فتوفي في المستشفى.
وتوفي أحمد عتوق بطريقة مشابهة، كان مصاباً بالفشل الكلوي ولوحظ عليه أعراض الاستسقاء وبسبب التباطؤ في نقله للمستشفى توفي في غرفة العزل!
عبدالرؤوف الخنيزي: كان موظفاً ببلدية القطيف واعتقل وبعد سبع سنين قررت البلدية رفع طلب إلى المباحث ليأتوا به إلى مكتبه لسؤاله عن معاملة لن يعلم مستلمها ثم يعاد إلى السجن. دخل عبدالرؤوف مقيداً وخرج مقيداً أمام زملائه والمراجعين. وبعد إعادته إلى السجن أصيب بنوبة قلبية نقل على إثرها للمستشفى وهناك فارق الحياة وأقيمت له جنازة مهيبة تأثراً بوفاته والتي اعتقد الناس أنها نتجت عن ألمه من المنظر الذي شوهد به.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s